جزيرة نهاية العالم.. ملاذ سري للأثرياء تحسبًا لكارثة عالمية
في منطقة بعيدة عند سفوح جبال الأنديز بالأرجنتين، يتشكل مشروع غير تقليدي أثار اهتمام وسائل الإعلام العالمية، بعدما تحول إلى ما يشبه ملاذ نهاية العالم للأثرياء. المشروع يحمل اسم «واماني» Wamani، وهو عبارة عن أرض شاسعة ومعزولة تضم منازل صغيرة وقبابًا هندسية ومهبطًا للطائرات ومصادر للطاقة، ويجري تطويرها بحيث تستطيع مجموعة محدودة من الأشخاص العيش هناك إذا تعرض العالم لأزمة كبرى. 0
يقف خلف المشروع رجل الأعمال الأرجنتيني الإسباني مارتن فارساسكي وعدد من شركائه، الذين ينظرون إلى الموقع باعتباره مكانًا يمكن اللجوء إليه حال وقوع نزاع عالمي واسع أو انهيار في الخدمات الأساسية. ولا تعتمد الفكرة على بناء مخبأ تحت الأرض فقط، بل على امتلاك مساحة بعيدة يمكنها توفير الغذاء والطاقة والسكن ووسيلة للوصول والمغادرة بصورة مستقلة نسبيًا. 1
ويرصد موقع كله لك تفاصيل «واماني» وكيف تحولت مزرعة ضخمة في الأرجنتين إلى مشروع يصفه البعض بأنه ملاذ للأثرياء عند وقوع الكوارث، ولماذا أصبحت فكرة شراء أراضٍ بعيدة وملاجئ خاصة منتشرة بين بعض رجال التكنولوجيا وأصحاب الثروات الكبيرة.
أين تقع مزرعة واماني التي توصف بملاذ نهاية العالم؟
تقع واماني في منطقة نائية غرب الأرجنتين عند سفوح جبال الأنديز، وتبتعد عن أقرب تجمع سكاني عبر طرق ترابية تستغرق قرابة ساعة للوصول إلى الموقع. وتبلغ مساحة الأرض نحو 32 ألف هكتار، أي ما يقارب 320 كيلومترًا مربعًا، وهي مساحة هائلة تضم جبالًا وسهولًا ومناطق طبيعية واسعة. 2
وتشمل الأرض قمة يصل ارتفاعها إلى نحو خمسة آلاف متر وعدة جبال أخرى، بالإضافة إلى أكثر من 80 كيلومترًا من الطرق الداخلية الوعرة. وتتحرك في المنطقة حيوانات برية مثل الثعالب والجواناكو، وهي حيوانات من فصيلة قريبة من اللاما، ما يعكس طبيعة الموقع المعزولة والبعيدة عن المدن الكبرى. 3
من هو صاحب مشروع واماني؟
المشروع يرتبط بصورة رئيسية برجل الأعمال التكنولوجي مارتن فارساسكي، وهو رائد أعمال أرجنتيني إسباني عاش جزءًا كبيرًا من حياته بين إسبانيا والولايات المتحدة. وشارك خلال مسيرته في تأسيس شركات تكنولوجية متعددة وصلت تقييمات بعضها إلى أكثر من مليار دولار. 4
اشترى فارساسكي الأرض في ديسمبر 2023 بالتعاون مع خمسة رجال أعمال أرجنتينيين وأمريكيين، ويمتلك هو نصف المشروع بينما تتوزع الملكية المتبقية بين شركائه. ووفق فاينانشال تايمز، أنفقت المجموعة ما يقرب من عشرة ملايين دولار حتى الآن على شراء الأرض وبناء المرافق المختلفة. 5
لماذا اختاروا الأرجنتين تحديدًا؟
يرى أصحاب المشروع أن موقع الأرجنتين في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية وابتعادها الجغرافي عن الكثير من مراكز القوى العسكرية الكبرى يمنحها ميزة في حالة وقوع صراع دولي واسع. كما أن المنطقة قريبة نسبيًا من مصادر طاقة وزراعة مهمة في باتاجونيا ومندوزا. 6
وتعد الأرجنتين واحدة من الدول ذات الإنتاج الزراعي الكبير، وهو عامل مهم لأي مشروع يسعى إلى تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي. ويعتقد فارساسكي أن الابتعاد عن المدن العملاقة والمنشآت العسكرية والمراكز الصناعية الكبرى قد يقلل التعرض لبعض المخاطر في سيناريو عالمي شديد الاضطراب، لكن هذا يظل تصورًا شخصيًا وليس ضمانًا علميًا للنجاة من أي كارثة.
ماذا يوجد داخل واماني؟
لا تبدو واماني في الوقت الحالي مثل مدينة ضخمة أو مخبأ خيالي من أفلام نهاية العالم، بل تضم مجموعة محدودة من المباني الصغيرة الجاهزة والقباب الهندسية والمنشآت الموزعة داخل مساحة طبيعية شاسعة. ويجري إنشاء مبنى جديد تقريبًا كل عدة أشهر وفق وتيرة التطوير الحالية. 7
كما تم إنشاء مهبط للطائرات داخل الأرض، وهو عنصر بالغ الأهمية بالنسبة لفكرة المشروع، لأن الوصول السريع إلى المكان حال حدوث أزمة يمثل جزءًا أساسيًا من الخطة. فامتلاك مكان آمن بعيد لن يكون ذا فائدة كبيرة إذا لم توجد وسيلة للوصول إليه عندما تكون الطرق أو المطارات التقليدية مضطربة.
جدول بأبرز مكونات مشروع واماني
تكشف التفاصيل المنشورة أن المشروع يعتمد على الجمع بين المساحة الجغرافية الكبيرة والبنية الأساسية والقدرة على إنتاج جزء من الاحتياجات الأساسية محليًا، وليس مجرد بناء غرفة محصنة تحت الأرض. ويمكن تلخيص أهم خصائص الموقع فيما يلي. 8
| العنصر | التفاصيل |
|---|---|
| الموقع | سفوح جبال الأنديز غرب الأرجنتين |
| المساحة | نحو 32 ألف هكتار أو 320 كم² |
| السكن | منازل جاهزة صغيرة وقباب هندسية |
| الوصول | طرق داخلية ومهبط للطائرات |
| الطاقة | ألواح شمسية |
| الغذاء | خطط لتربية الماشية وزراعة المحاصيل |
| المياه | ينابيع ومجاري مياه داخل الأرض |
| الهدف | زيادة القدرة على الاكتفاء الذاتي وقت الأزمات |
الطاقة الشمسية جزء أساسي من خطة النجاة
زُودت المباني بألواح شمسية لتقليل الاعتماد على شبكة الكهرباء العامة، وهي خطوة منطقية في مشروع يفترض أصحابه سيناريو يمكن أن تتعطل فيه الخدمات التقليدية. فالقدرة على توليد الكهرباء محليًا تسمح بتشغيل الإضاءة والاتصالات وبعض أجهزة التخزين والتبريد. 9
لكن الطاقة الشمسية ليست حلًا سحريًا، إذ تحتاج البطاريات والمعدات إلى الصيانة، كما تتأثر كمية الكهرباء بالطقس والاستهلاك. ولذلك فإن الوصول إلى اكتفاء حقيقي لفترات طويلة يحتاج إلى تخطيط أكبر من مجرد تركيب ألواح على أسطح المنازل.
تربية الماشية وزراعة الطعام داخل الملاذ
من بين الخطط التي تحدث عنها فارساسكي شراء ماشية للرعي داخل مساحة واماني الكبيرة. كما يفكر الشركاء في شراء أرض أكبر بالقرب منها تسمح بإنتاج محاصيل زراعية، بهدف تقليل الاعتماد على الغذاء القادم من المدن إذا تعرضت سلاسل التوريد العالمية أو المحلية للانقطاع. 10
وتعكس هذه الفكرة اختلاف المشروع عن الملاجئ التقليدية التي تعتمد على تخزين الطعام لفترة محدودة، إذ يحاول القائمون عليه بناء نظام يمكنه الاستمرار لفترة أطول عبر الإنتاج وليس التخزين فقط. ومع ذلك يحتاج تحقيق اكتفاء غذائي كامل إلى المياه والعمالة والبذور والمعدات والخبرة الزراعية بصورة مستمرة.
هل يمكن إنشاء إنترنت خاص بعد انهيار الشبكات العالمية؟
واحدة من أكثر الأفكار غرابة التي يناقشها أصحاب واماني هي إمكانية تنزيل نماذج لغوية كبيرة وبيانات على أجهزة كمبيوتر تعمل بالطاقة الشمسية لتوفير نوع من المعرفة الرقمية المحلية إذا انهارت الخوادم العالمية أو تعذر الاتصال بالشبكة الدولية. 11
لكن وصف ذلك بأنه «إنترنت خاص» يحتاج إلى دقة؛ فالإنترنت شبكة عالمية من الخدمات والخوادم والاتصالات ولا يمكن استبدالها بجهاز واحد. الممكن تقنيًا هو تخزين مكتبات وموسوعات وخرائط وبرامج ونماذج ذكاء اصطناعي محليًا لاستخدامها دون اتصال، وهو أشبه بأرشيف معرفي مستقل وليس إنترنت كاملًا.
الماء قد يكون نقطة الضعف في واماني
رغم وجود أربعة ينابيع ومجاري مياه داخل الأرض، فإن المياه تمثل تحديًا محتملًا للمشروع على المدى الطويل. وأشارت فاينانشال تايمز إلى توقع زيادة الضغوط المتعلقة بالمياه في منطقة الأنديز مع تغير المناخ، وهو ما قد يجعل إدارة الموارد المائية مسألة أساسية إذا توسع عدد المقيمين. 12
فالعيش المستقل لا يحتاج إلى مياه الشرب فقط، بل إلى كميات للزراعة والماشية والتنظيف والاستخدامات اليومية المختلفة. وكلما ارتفع عدد الأشخاص الموجودين داخل الملاذ، ارتفعت كمية الموارد المطلوبة وأصبحت فكرة الاكتفاء الذاتي أكثر تعقيدًا.
رياح قوية قد تجعل الخروج مستحيلًا أحيانًا
العزلة الجغرافية التي ينظر إليها القائمون على المشروع باعتبارها ميزة تأتي معها عيوب طبيعية أيضًا. فالمنطقة تتعرض عدة مرات سنويًا لرياح شديدة مرتبطة بالتغيرات الحرارية في الأنديز، وقد تصبح قوية بدرجة تجعل الخروج إلى المساحات المفتوحة صعبًا. 13
كما تحتاج بعض الوحدات السكنية الجاهزة الموجودة في الموقع إلى التدفئة باستخدام مواقد الحطب في الشتاء، بينما تحتاج إلى تكييف خلال الصيف. وهذه التفاصيل توضح أن الحياة في «ملاذ نهاية العالم» ليست بالبساطة أو الرفاهية التي قد توحي بها الصور.
لماذا يسمى المكان «واماني»؟
اختار فارساسكي اسم Wamani، وهو اسم قال إنه مأخوذ من كلمة بلغة الكيتشوا تحمل معنى يرتبط بـ«حارس الجبال». وذكر أنه اختار الاسم تكريمًا لمربية تتحدث لغة الكيتشوا كان لها دور في تربيته خلال طفولته. 14
ويتناسب الاسم مع طبيعة الموقع المحاط بالجبال والبعيد عن المراكز الحضرية، كما ساعد على منح المشروع هوية تختلف عن أسماء الملاجئ العسكرية التقليدية التي عادة ما ترتبط بالخوف والحرب والتحصينات.
من يملك واماني مع مارتن فارساسكي؟
يمتلك فارساسكي 50% من المشروع، بينما يتقاسم خمسة من أصدقائه وشركائه النصف المتبقي. ومن بينهم رجال أعمال في قطاع التكنولوجيا والاستثمار، وقد بدأت المجموعة تطوير الأرض عقب شرائها نهاية عام 2023. 15
ولا يقدم المشروع نفسه حاليًا باعتباره مجمعًا عامًا يمكن لأي شخص شراء وحدة داخله بسهولة، إذ ما زال مرتبطًا بمجموعة محدودة من المالكين والأصدقاء. ومع ذلك ذكر فارساسكي أن هناك أشخاصًا آخرين يرغبون في الانضمام وأن المجموعة تستمر في إضافة مبانٍ جديدة. 16
هل يمكن تأجير ملاذ نهاية العالم على Airbnb؟
من المفارقات التي كشف عنها تقرير فاينانشال تايمز أن ملاك واماني يدرسون إمكانية تأجير بعض وحدات الموقع عبر Airbnb خلال الفترات الطبيعية، بحيث يساعد الدخل على جعل المشروع أكثر قدرة على تمويل نفسه بدل بقائه أرضًا تستخدم فقط في العطلات أو عند وقوع أزمة. 17
ويستخدم الملاك المكان بالفعل لقضاء عطلات جماعية، ما يعني أنه يؤدي وظيفة ترفيهية في الوقت الحالي إلى جانب وظيفته المفترضة كملاذ محتمل. وإذا تم فتح جزء منه للسياحة مستقبلًا فقد يتحول أيضًا إلى تجربة إقامة في واحدة من أكثر المناطق عزلة في الأرجنتين.
هل واماني أول ملاذ يشتريه الأثرياء تحسبًا للكوارث؟
لا، ففكرة الاستعداد للكوارث بين بعض أصحاب الثروات في قطاع التكنولوجيا معروفة منذ سنوات. وقد تحدثت تقارير عديدة عن شراء عقارات بعيدة وبناء ملاجئ وتخزين معدات تحسبًا لأزمات مثل الحروب أو الأوبئة أو انهيار البنية التحتية. 18
ويختلف مستوى الاستعداد من شخص إلى آخر؛ فبعضهم يشتري أرضًا بعيدة، وآخرون يستخدمون أقبية محصنة أو ملاجئ مجهزة بمصادر للطاقة والمياه. وأصبحت صناعة الملاجئ الفاخرة نفسها سوقًا تقدم فيه شركات وحدات مزودة بغرف معيشة ومرافق ترفيهية وأنظمة مستقلة. 19
بيتر ثيل ونيوزيلندا
من أشهر الأسماء المرتبطة بهذه الظاهرة بيتر ثيل، أحد مؤسسي PayPal، الذي اشترى أرضًا كبيرة في منطقة بحيرة واناكا في نيوزيلندا. وأصبحت نيوزيلندا خلال السنوات الماضية واحدة من أشهر الوجهات التي ارتبط اسمها بفكرة «التأمين ضد نهاية العالم» لدى بعض أثرياء وادي السيليكون. 20
وأشارت تقارير سابقة إلى أن شراء عقار في نيوزيلندا تحول لفترة إلى تعبير متداول بين بعض العاملين في قطاع التكنولوجيا عند الحديث عن الاستعداد لانهيار كبير. ويعود ذلك إلى بعدها الجغرافي وانخفاض الكثافة السكانية ووفرة الأراضي والموارد في بعض المناطق. 21
مارك زوكربيرج ومشروع هاواي
كما ارتبط اسم مارك زوكربيرج، مؤسس فيسبوك ورئيس Meta، بمنشآت تحت الأرض ضمن عقاره الكبير في هاواي. وتشير تقارير حديثة تناولت استعدادات أثرياء التكنولوجيا إلى وجود نفق ومساحات محمية تحت الأرض ضمن المشروع، وهو ما وضع اسمه باستمرار ضمن نقاش «ملاجئ الأثرياء». 22
لكن وجود منشأة محمية لا يثبت بالضرورة أن مالكها يتوقع نهاية العالم، إذ يمكن استخدام مثل هذه المساحات لأسباب أمنية أو خصوصية أو للاستعداد للكوارث الطبيعية. ولذلك يجب التمييز بين تفاصيل البناء المثبتة وبين التأويلات التي تنتشر حول سبب إنشائها.
ريد هوفمان و«تأمين نهاية العالم»
سبق لريد هوفمان، المؤسس المشارك لشبكة LinkedIn، أن تحدث عن انتشار الاستعداد للكوارث بين بعض أصحاب الثروات في وادي السيليكون، مشيرًا في مقابلة سابقة إلى أن نسبة كبيرة من المليارديرات الذين يعرفهم لديها شكل من أشكال خطط الهروب أو الملاجئ. 23
كما ارتبط اسم نيوزيلندا بهذه الظاهرة لدرجة أن أحد أصدقاء هوفمان سأله عند الحديث عن زيارة البلاد إن كان سيشتري ما وصف بـ«تأمين نهاية العالم»، في إشارة إلى اقتناء عقار يمكن اللجوء إليه عند وقوع انهيار واسع. 24
لماذا ينفق الأثرياء الملايين على ملاجئ محتملة؟
بالنسبة لشخص يمتلك ثروة بمئات الملايين أو المليارات، فإن تخصيص نسبة صغيرة منها لإنشاء منزل بعيد ومستقل نسبيًا قد يكون بالنسبة إليه نوعًا من التأمين. فحتى إذا لم تقع كارثة عالمية أبدًا، تظل الأرض عقارًا يمكن استخدامه للاستجمام أو الاستثمار.
ويختلف الأمر عن الأسر العادية التي قد يمثل شراء مخبأ بملايين الدولارات تكلفة غير منطقية تمامًا. ولهذا يتركز هذا النوع من المشروعات غالبًا بين الأشخاص ذوي الثروات الضخمة الذين يستطيعون شراء الأرض والطائرة والبنية الأساسية دون التأثير بصورة كبيرة في مستوى معيشتهم.
كم تبلغ تكلفة ملاجئ الأثرياء؟
تختلف الأسعار بصورة هائلة حسب الحجم والموقع والتجهيزات، وتعرض شركات متخصصة ملاجئ تبدأ بتكاليف أقل نسبيًا ثم تصل إلى ملايين الدولارات للوحدات الفاخرة. وقد تضمنت بعض المشروعات مسابح وصالات رياضية ومرافق ترفيهية إلى جانب أنظمة الطاقة والمياه والطعام. 25
أما مشروع واماني فقد بلغت استثمارات ملاكه مجتمعة قرابة عشرة ملايين دولار حتى الآن بحسب تصريحات فارساسكي، مع استمرار أعمال البناء واحتمال توسع المشروع مستقبلًا، وهو ما يعني أن التكلفة النهائية قد تكون أكبر بكثير. 26
الفرق بين واماني والمخبأ التقليدي
أهم ما يميز واماني أن فلسفته تعتمد على الجغرافيا أكثر من الخرسانة. فبدل الاختباء بالكامل في منشأة عميقة تحت الأرض، تعتمد الخطة على الابتعاد آلاف الكيلومترات عن مناطق الصراعات المحتملة والعيش فوق مساحة قادرة نظريًا على إنتاج بعض احتياجاتها.
ويتيح وجود مهبط للطائرات وطرق خاصة ومساحة ضخمة مستوى مرتفعًا من حرية الحركة، بينما تحاول ألواح الطاقة والزراعة والماشية توفير الاستقلال. لكن هذه المزايا تأتي أيضًا مع تحديات مثل الطقس والمياه والصيانة والحاجة إلى عدد من العاملين لإبقاء النظام يعمل.
هل يمكن لمكان واحد النجاة من «نهاية العالم»؟
مصطلح نهاية العالم فضفاض للغاية؛ فهناك فارق كبير بين انقطاع الكهرباء لأسابيع، وحرب إقليمية، ووباء عالمي، ونزاع نووي واسع، وكارثة مناخية طويلة الأمد. والمكان المناسب لأحد هذه السيناريوهات قد لا يكون مناسبًا للآخر.
لذلك لا توجد منطقة يمكن وصفها علميًا بأنها تضمن النجاة من كل الكوارث. واماني تعكس تقييم أصحابها الشخصي للمخاطر وتفضيلاتهم الجغرافية، لكنها ليست «جزيرة نجاة مضمونة»، كما أن قدرتها الحقيقية على الاستقلال لفترات طويلة لم تختبر في ظروف انهيار عالمي.
واماني ليست جزيرة بالمعنى الجغرافي
رغم انتشار وصف المشروع بـ«جزيرة نهاية العالم»، فإن واماني ليست جزيرة محاطة بالمياه، بل أرض واسعة في الأرجنتين. كلمة «جزيرة» هنا تستخدم مجازيًا للإشارة إلى عزلتها وبعدها عن التجمعات السكانية ومراكز القوة العالمية.
ويبدو الموقع على الخريطة كمساحة ضخمة محاطة بالطبيعة والجبال، وهو ما يوفر نوعًا من العزلة التي يبحث عنها ملاك المشروع. لكن الوصول إليه يظل ممكنًا عبر الطرق ومهبط الطائرات، وهو جزء أساسي من فكرته.
الجانب المثير للجدل في استعداد الأثرياء للكوارث
تثير هذه المشروعات نقاشًا أخلاقيًا واجتماعيًا حول قدرة أصحاب الثروات على شراء مستوى من الحماية يصعب على غالبية الناس الوصول إليه. فبينما تستعد الحكومات للكوارث عبر خطط عامة، يستطيع الملياردير شراء أرض وطائرة ومصادر طاقة ومياه خاصة به.
ويرى منتقدو هذه الظاهرة أن الأموال يمكن استثمارها في تقليل المخاطر التي يخشى منها الأثرياء بدل محاولة الهروب منها، بينما يرى آخرون أن من حق أي شخص استخدام أمواله في تأمين أسرته ما دام ذلك يتم بصورة قانونية ولا يضر الآخرين.
هل يعيش أصحاب واماني هناك الآن؟
لا تشير المعلومات المنشورة إلى أن الملاك انتقلوا للعيش بصورة دائمة في واماني، بل يستخدمونها في الوقت الحالي لقضاء عطلات جماعية ويواصلون بناء المنشآت وتطوير خطط الاكتفاء الذاتي. ويعيش فارساسكي حياته بين عدة دول ومشروعات مختلفة. 27
لكنه قال بوضوح إن لديه خطوطًا حمراء جيوسياسية يعتبر تجاوزها سببًا للانتقال السريع إلى هناك، ما يكشف أن المشروع بالنسبة إليه ليس مجرد منتجع، وإنما خطة احتياطية فعلية يريد الاحتفاظ بها إذا تغير الوضع العالمي بصورة كبيرة. 28
أبرز الحقائق عن ملاذ واماني
بعد الضجة التي أثارها المشروع، يمكن اختصار أهم المعلومات المؤكدة عنه في مجموعة من النقاط التي توضح أن الأمر يتجاوز قصة «مخبأ للمليارديرات»، فهو مشروع عقاري وزراعي وتقني ما زال تحت التطوير ولم يصل إلى شكله النهائي بعد.
- يقع غرب الأرجنتين عند سفوح جبال الأنديز.
- مساحته نحو 32 ألف هكتار، أي قرابة 320 كيلومترًا مربعًا.
- اشتراه مارتن فارساسكي وخمسة شركاء في ديسمبر 2023.
- بلغ الإنفاق عليه حتى الآن قرابة 10 ملايين دولار.
- يضم منازل جاهزة وقبابًا هندسية ومهبط طائرات.
- تعتمد المباني على الطاقة الشمسية ضمن مصادر الطاقة.
- هناك خطط لتربية الماشية وزراعة المحاصيل.
- يدرس أصحابه تخزين معرفة رقمية ونماذج ذكاء اصطناعي للعمل دون الشبكات العالمية.
- قد يتم تأجير بعض الوحدات سياحيًا مستقبلًا.
- المشروع ما زال يتوسع وقد ينضم إليه ملاك أو أصدقاء آخرون.
هل تتحول الأرجنتين إلى ملاذ للأثرياء؟
طرح فارساسكي أيضًا فكرة أوسع تتعلق بجعل الأرجنتين وجهة يستطيع أصحاب الثروات اللجوء إليها عند الأزمات الكبرى، وتحدث عن مفهوم سماه «تأشيرة الطمأنينة» لجذب أشخاص يرغبون في وجود خيار احتياطي في البلاد. ولا يعني ذلك وجود برنامج رسمي بهذا الاسم حاليًا، بل هي فكرة طرحها رجل الأعمال. 29
ويرى أن جنوب أمريكا اللاتينية يمتلك عناصر جغرافية واقتصادية تجعله جذابًا في بعض سيناريوهات الاضطراب، لكن نجاح مثل هذه الفكرة يتوقف على السياسة والبنية التحتية والأمن والاقتصاد وليس على الموقع الجغرافي وحده.
مشروع بين الخوف والاستثمار والرفاهية
من الصعب وضع واماني داخل تصنيف واحد؛ فهي ملاذ محتمل للكوارث وفي الوقت نفسه مزرعة ومكان للعطلات واستثمار عقاري قابل للتوسع. وقد تصبح بعض وحداتها مستقبلًا أماكن إقامة سياحية، بينما يبقى السبب الأصلي لامتلاكها مرتبطًا بفكرة وجود مكان بعيد يمكن الوصول إليه عند الضرورة.
وهذا المزيج يفسر الاهتمام العالمي بالقصة، فهي تجمع بين التكنولوجيا وثروات رجال الأعمال والخوف من الصراعات العالمية والحياة خارج المدن. كما تكشف مدى تغير مفهوم «الاستعداد للطوارئ» عندما يمتلك الشخص موارد مالية تسمح له بشراء مساحة تعادل مدينة صغيرة تقريبًا.
وهكذا أصبح ملاذ نهاية العالم للأثرياء في واماني واحدًا من أكثر مشروعات الاستعداد للكوارث إثارة للاهتمام خلال 2026. فبين جبال الأنديز والطاقة الشمسية والماشية ومهبط الطائرات وخطط تخزين المعرفة الرقمية، يحاول أصحاب المشروع إنشاء مكان يستطيع الاستمرار بعيدًا عن العالم إذا تعطلت أنظمته المعتادة. لكن حتى مع إنفاق الملايين، تظل فكرة النجاة من كارثة عالمية غير مضمونة، وتبقى واماني في الوقت الحالي تجربة استثنائية تجمع بين التخطيط للمخاطر والاستثمار والحلم بحياة مستقلة في واحدة من أكثر بقاع الأرجنتين عزلة. 30