يثير سؤال حكم طلب الزوجة الطلاق بسبب العنة جدلًا واسعًا في قضايا الأحوال الشخصية، خاصة عندما يرتبط الأمر بادعاءات متبادلة بين الزوجين بشأن القدرة على المعاشرة الزوجية.
وتزداد أهمية المسألة حين تتداخل الشهادة الطبية مع الإجراءات القضائية والضوابط الشرعية المنظمة لهذه الحالات.
القضية المطروحة تتعلق بزوجة رفعت دعوى تطلب فيها التطليق بدعوى العنة، في الوقت الذي يؤكد فيه الزوج خضوعه لإجراء طبي يمنحه القدرة على المعاشرة الطبيعية، مدعومًا بشهادة طبية رسمية.
وبين هذا وذاك يبقى الحكم الشرعي والقانوني هو الفيصل في مثل هذه النزاعات.
في هذا التقرير يعرض موقع كله لك الرأي الشرعي المعتمد وفق ما ورد عن دار الإفتاء، مع توضيح الضوابط الفقهية والإجرائية التي تحكم مثل هذه الحالات.
ما المقصود بالعنة في الفقه الإسلامي؟
العنة في الاصطلاح الفقهي تعني عجز الزوج عن إتيان زوجته بعد الدخول بها، بحيث لا تتحقق المعاشرة الزوجية بصورة كاملة.
وقد تناول الفقهاء هذه المسألة باعتبارها سببًا من أسباب التفريق بين الزوجين إذا ثبتت وتحقق الضرر.
ويرى فقهاء المذهب الحنفي، وهو المرجع المعتمد في كثير من قضايا الأحوال الشخصية في مصر، أن للزوجة حق اللجوء إلى القضاء إذا لم يصل إليها زوجها رغم تمكينها له، طلبًا لدفع الضرر وتحقيق مقاصد الزواج.
الأساس القانوني للتطليق بسبب العنة
تنص المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة بالمرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 على القضاء بأرجح الأقوال في فقه مذهب أبي حنيفة في مسائل الأحوال الشخصية ما لم يصدر قانون خاص ينظم المسألة.
وبناءً عليه يُعمل بالرأي الفقهي القائل بإمهال الزوج مدة محددة قبل الحكم بالتفريق.
ويُمهل القاضي الزوج سنة قمرية تبدأ من تاريخ رفع الدعوى، وذلك لإعطائه فرصة لإثبات قدرته على المعاشرة.
ويرتبط تحديد السنة القمرية بتنوع الفصول، إذ قد تزول العنة باختلاف الظروف المناخية أو العلاج الطبي.
ضوابط إمهال الزوج لمدة سنة
خلال فترة الإمهال، يشترط تمكين الزوجة زوجها من نفسها تمكينًا كاملًا، بحيث لا يكون هناك مانع من جهتها يمنع المعاشرة.
فإذا تحقق الوصول ولو مرة واحدة خلال السنة، يُرفض طلب التفريق بسبب العنة.
أما إذا انقضت السنة دون حصول المعاشرة رغم تمكين الزوجة وعدم وجود مانع شرعي من جانبها، فإن للقاضي أن يحكم بالتفريق بطلقة بائنة دفعًا للضرر عنها، باعتبار أن المعاشرة حق أصيل من حقوق الزواج.
ماذا لو قدم الزوج شهادة طبية؟
في الحالات التي يقدم فيها الزوج تقريرًا طبيًا يفيد بقدرته على المعاشرة بعد إجراء جراحي أو علاج معين، فإن المحكمة لا تكتفي بالشهادة وحدها، بل تطبق إجراءات الإمهال القانونية للتثبت من الواقع العملي.
ويظل الفيصل في النهاية هو تحقق المعاشرة الفعلية خلال مدة السنة.
فإذا ثبتت القدرة عمليًا، سقط سبب الدعوى، أما إذا لم تتحقق رغم الشهادة الطبية، فإن الحكم يتجه إلى التفريق وفق الضوابط الشرعية.
متى يسقط حق الزوجة في طلب التفريق؟
يسقط حق الزوجة في الادعاء بالعنة إذا ثبت أنها لم تمكن زوجها من نفسها خلال مدة الإمهال دون عذر شرعي.
فالسفر دون سبب معتبر، أو الامتناع غير المبرر، قد يؤدي إلى سقوط الدعوى.
أما الأعذار المشروعة مثل الحيض أو المرض المانع من المعاشرة، فلا تؤثر في احتساب المدة، ويُستكمل حساب السنة بعد زوال العذر لضمان العدالة بين الطرفين.
مقارنة بين حالات الحكم بالتفريق وعدمه
| الحالة | الحكم المتوقع |
|---|---|
| تحقق المعاشرة مرة واحدة خلال السنة | رفض دعوى التفريق |
| انقضاء السنة دون معاشرة رغم التمكين | التفريق بطلقة بائنة |
| عدم تمكين الزوجة لزوجها دون عذر | سقوط حقها في الادعاء |
| وجود عذر شرعي مؤقت | تأجيل احتساب المدة |
البعد المقاصدي في الحكم الشرعي
ينطلق الحكم في هذه المسألة من قاعدة دفع الضرر وتحقيق المعاشرة بالمعروف، إذ إن من مقاصد الزواج تحقيق السكن والمودة وقضاء الحاجة الطبيعية لكل من الزوجين.
فإذا تعذر ذلك بصورة مستمرة، كان للقضاء التدخل رفعًا للضرر.
وفي المقابل، يراعي الشرع مصلحة الزوج ومنحه فرصة العلاج أو تحسن الحالة، لذلك قرر مهلة السنة قبل إصدار الحكم النهائي، تحقيقًا للتوازن بين الحقوق والواجبات.
يبقى حكم طلب الزوجة الطلاق بسبب العنة خاضعًا لإجراءات دقيقة توازن بين الدليل الطبي والتحقق الواقعي، مع الالتزام بأحكام الفقه والقانون المنظم للأحوال الشخصية.
وفي جميع الأحوال، فإن اللجوء إلى القضاء يظل الطريق المشروع للفصل في مثل هذه النزاعات بما يحقق العدالة ويرفع الضرر عن الطرفين.
