المحتوى الرئيسى

الكتابة بواسطة الدماغ كيف يمكن لفيسبوك أن تفعلها


أطلّ علينا فيسبوك منذُ مدّةٍ وجيزةٍ بمشروعٍ جديدٍ أُطلق عليه اسم البناء الثامن (B8)، وهذا البناء لديه أهداف واعدة جدًا في عدةِ مجالاتٍ يسعى لتحقيقها كالواقع المعزز على سبيل المثال، ولكن ليست أهدافه في تطوير الواقع المعزّز هي من شغلت الناس وأصبحت حديث الصحف، وإنّما هدفه في قراءة الدماغ البشري، وتمكين البشر من مشاركة أفكارهم وتدوينها بواسطة الدماغ مباشرة.
مشروعٌ واعدٌ جدًا، لاقى الكثير من المؤيدين والمعارضين على حدٍ سواء، فمنهم من تحمّس للفكرة كما يتحمّس للتكنولوجيا الحديثة بشكل عام _مثلي _ ومنهم من خاف منها كما يخاف من كل التكنولوجيا الحديثة بشكل عام. لكن سواءً أحببت الفكرة أم كرهتها يبقى المشروعُ مشوّقًا للغاية، ولكن المعلومة التي لا يعرفها الكثيرون هي الطريقة الّتي سيعمل وفقها فيسبوك لتحقيق هدفه، تعالوا إذًا معًا نضع سيناريو محتمل لطريقة الكتابة بواسطة الدماغ.

واجهة التخاطب بين الحاسب والدماغ


إذا ألقينا نظرةً على موقع المشروع B8، فسنجد بعض عروض العمل الّتي يحتاج إليها المشروع حتّى ينطلق، ومن بين هذه العروض يوجد عرض لمهندس واجهات التخاطب بين الحاسب والدماغ (Brain-Computer Interface Engineer) والتي يمكن اختصاراها بـ(BCI)، فما هي هذه الواجهات؟
BCI مصطلح ليس بالجديد، حيث فكّر الباحثون في الاستفادة المباشرة من الدماغ لإعطاء الأوامر للأجهزة المختلفة، وكان الهدف طبيًّا في المقام الأول كإعطاء القدرة لأصحاب الإعاقات على تجاوز إعاقتهم؛ وذلك عن طريق إعطاء الأوامر للأطراف الصنعيّة والكراسي المتحركة مباشرةً عن طريق الدماغ كما يعطي الدماغ الأوامر في الحالة الطبيعية. بالرغم من ذلك ظهرت تطبيقات عديدة لهذه الواجهات منها الأمنيّة ومنها التعليميّة وغيرها الكثير، أمّا ما يهمنا في مقالنا اليوم فهو الاستفادة من هذه الواجهات في الكتابة.

يمكن تعريف هذه الواجهات بكل بساطة بأنّها أيّ طريقةٍ تمكننا من قراءة أفكار الدماغ ومن ثمّ تحويلها إلى لغةٍ يتمكن الحاسب من فهمها. بالتالي نحتاج إلى طريقةٍ أولًا لقراءة الدماغ وثانيًا إلى طريقةٍ لتحويل ما قرأناه إلى لغة يفهمها الحاسب.

كلمة السرّ … قراءة الدماغ


حسنًا، لا يمكن بأي شكل من الأشكال الكتابة بواسطة الدماغ إن لم نستطع بدايةً قراءته. فلنقل إذًا بشكل مبدأي سنهدف إلى قراءة الدماغ، ولكن كيف سنفعلها؟
بالرغم من أنّ الموضوع شديد التعقيد إلّا أنّ هنالك العديد من الطرق التي حاول الإنسان من خلالها قراءة الدماغ، فمنها ما يتطلب عمليات جراحية ومنها مالا يتطلب ذلك، ونذكر على سبيل المثال: التخطيط المغناطيسي للمخ، والتخطيط الكهربائي، والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، إلخ. لكل من هذه الطرق عيوبها ومحاسنها الّتي تجعلنا نفضل واحدة على الأُخرى.
لنأخذ الآن واحدة من هذه الطرق ولنحاول شرح كيف يمكن قراءة الدماغ عن طريقها، ولتكن طريقة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (FMRI).
إنّ نشاط الدماغ يتغيّر بشكل طفيف تبعًا للنشاط الّذي نقوم به، فعندما نقوم بنشاط معيّن تبدأ العصبونات الّتي في الدماغ بالعمل، وبالتالي تطلب الدماء بشكل أكبر من المعتاد، بالتالي تعتمد تقنية FMRI على قياس نشاط الدماغ من خلال رصد المناطق المُغذّاة بالدم المزود بالأكسجين.
لتسهيل عمليّة الرّصد قام الباحثون بتقسيم الدماغ إلى صناديق صغيرة تحوي آلاف العصبونات، تسمى فوكسل voxel، وهذا الفوكسل هو بالضبط التطوير الثلاثي الأبعاد للبكسل الذي يقسّم الصور. العلاقة بين الفوكسل والبكسل مثل العلاقة بين المربع والمكعب بالضبط. بعد التقسيم يُحدد الباحثون أيّ الفوكسلات (جمع فوكسل) الّتي تستجيب بشكل قوي لمنبهٍ معين، كرؤية وجه مثلًا، أو التفكير بشرب كأس من الماء.

ما زالت الأمور معقدة؟ يمكن تبسيطها على النحو التالي: تخيّل أنّك تفكر بشرب كأس من الماء، فتعمل العصبونات الّتي في دماغك وتطلب الدماء، تتلون الفوكسلات الّتي تحوي آلاف العصبونات باللون الأحمر وتدرجاته المختلفة، تقوم تقنية FMRI، بالبحث عن شكل معيّن لاصطفاف الفوكسلات المتلونة بالأحمر وتدرجاته بجانب بعضها البعض، ولأنّ FMRI لا تتحسس للألوان ستبحث عن الفوكسلات التي تحمل درجات مختلفة للّون الرمادي بدلًا من تدرّجات اللون الأحمر.
تقسيم الدماغ إلى عدد كبير من الفوكسلات/ حقوق الصورة: Dr.Russel james, Texas University
كل اصطفاف معيّن لهذه الفوكسلات يتوافق مع تفكير معيّن، وسنسمي هذا الاصطفاف للفوكسلات بالنشاط الدماغي، إذًا نكون قد رصدنا إلى حد الآن شكل النشاط الدماغي المتوافق مع التفكير بشرب كأس من الماء.
يجب أن نعرف أنّ الكلام السابق مختصر كثيرًا وهو تبسيط لعمليات معقدة أخذت من الباحثين سنوات كثيرة وما زالت بحاجة للتطوير الكبير، ويمكن لمن يحب أن يقرأ هذه المقالات باللغة العربية (1,2) لمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة.
سنكمل الآن في الخطوات اللاحقة، وسنعتمد أنّنا خرجنا من هذه الخطوة بمجموعة من النماذج لنشاطات دماغية مختلفة كل منها يقترن بتفكير معيّن.

المرحلة الثانية … الاستفادة من النماذج


أصبح لدينا الآن عدد من النماذج الّتي يجب علينا الاستفادة منها، ولتحقيق ذلك علينا الاستفادة من تقنيات الذكاء الصناعي وتحديدًا خوارزميات تمييز (كشف) الأنماط، حيث يقوم كشف الأنماط على استعمال خوارزميات مختلفة تقوم بتحديد سمات معيّنة في الصور لاستنتاج الأشكال المرغوبة.
كمثال على ذلك نذكر طريقة كشف الوجوه الّتي يستعملها فيسبوك وسناب شات على الدوام، أو كشف الأحرف الأبجديّة الّتي يستعملها تطبيق الترجمة من غوغل عندما تطلب منه أن يترجم لك نص من صورة التقطتها، ويمكن كذلك كشف بعض الأمراض كالسرطان من الصور الشعاعية المختلفة. نمط الفوكسل الموافق لكل نشاط دماغي معيّن/ حقوق الصورة: nature.com
في حالتنا نرغب من كشف الأنماط أن يحاول اكتشاف النمط في إحدى صور النشاط الدماغي المرافق لتفكير معيّن، كالتفكير في كأس من الماء كما قلنا في الفقرة السابقة. فماذا سيفعل الحاسب حينها؟ أو بالأحرى عن ماذا سوف يبحث؟
كما قلنا في الفقرة السابقة فإنّ اللعبة تكمن في كشف المناطق المغذاة بالأكسجين، حيث تكون الفوكسلات الأكثر احمرارًا هي الُتي تحوي العصبونات الأكثر نشاطًا ستكون الفوكسلات الأخرى متلونة بتدرجات مختلفة للون الأحمر، وبما أنّ تقنية FMRI لا تتدعم الألوان فإنّ الفوكسلات ستحمل التدرجات المختلفة للون الرمادي.
كل من صور الفوكسلات هذه مقترنة بنشاط معيّن، وحتى ندرّب الحاسب على أن يفهم نشاط معيّن يجب علينا أن نعيد تكرار التجربة لمرات كثيرة جدًا، واستخراج الصور المختلفة التي توافق تفكير معيّن تمامًا بنفس الطريقة التي تدرّب حاسبًا على فهم صورة للوجه باستخدام آلاف صور لوجوه مختلفة.
خرج هذه الخطوة هو برنامج حاسوبي قادر على التعرف على الأفكار المختلفة انطلاقًا من الصور المختلفة للأنشطة الدماغية المختلفة.

الكتابة بواسطة الدماغ


وصلنا إلى مرحلة الحسم، وهي تسخير كل ما سبق وتوظيفه في مهمة محددة هي الكتابة بواسطة الدماغ.
حتى نستفيد من كل ما سبق يجب علينا أن نحاول تطوير نشاط دماغي بشكل مقصود، فكما رأينا النشاط الدماغي يتشكل بشكل تلقائي عندما نفكر بشيء ما. ولكن إذا ما أردنا الكتابة يجب عندها أن نتدرّب على تكوين نشاط دماغي معيّن كلما احتجنا إليه.
لنكون دقيقين أكثر فإنّه ينبغي علينا في حالة الكتابة استحضار عدد أكبر من الأنشطة الدماغية المختلفة، وهذا العدد مساوي بشكل أصغري إلى 28 نشاط دماغي مختلف (بعدد الحروف الأبجدية ويختلف من لغة إلى أُخرى)، هذا بخلاف الحركات وعلامات الترقيم، وبالتالي من الممكن وصول عدد الأنشطة الدماغية إلى مئة أو أكثر وهي عملية ربما ستكون أصعب بكثير من كل ما سبق ذكره.
بعد استحضار هذه الأنشطة الدماغية المختلفة يجب تدريب الحاسب على كل منها وربطه بأحد الحروف.
تصبح العملية النهائية على الشكل التالي:
أرغب بكتابة اسم علي، فيجب أن أحاول تكوين ثلاثة أنشطة دماغيّة متوافقة مع الأحرف الثلاثة، ومن ثم يقوم الحاسب باستقبال صور الفوكسلات للأنشطة الدماغية الثلاثة، ومن ثمّ يقوم بتحليلها وإخراج الحرف المناسب لكل صورة ومن ثمّ طباعتها، وبعدها ننتقل للكلمة الثانية، وهكذا.

تعقيب أخير


المراحل السابقة حتى تصبح منتج مستقر تحتاج إلى كثير من الجهد والبحث والتطوير، وكذلك التغلب على عدد من المشاكل، تتمثل في ضعف إشارات الدماغ وكذلك الضجيج الكبير الّذي يرافقها. يوجد مشاكل أُخرى في الحجم الهائل لأدوات مسح الدماغ والأرقام الفلكيّة لأسعارها، والّتي يجب العمل على تصغير حجومها حتى تصبح قابلة للارتداء، وكذلك تقليل أسعارها قدر الإمكان.
في النهاية أريد التذكير أنّ كل ما ذُكر هو مجرد سيناريو محتمل، قد يتبعه الفيسبوك أو لا، وحتى نعرف الجواب الشافي مالنا إلّا انتظار المستقبل.


لا تنسى تقييم الموضوع

القسم : علوم وتكنولوجيا

المصدر : أراجيك

قد يعجبك أيضاً

اضف تعليق

فكرة الموقع : "كله لك" هو شراكة بيننا و بينكم ..دورنا : انتقاء أفضل الموضوعات المنشورة و المتداولة علي المواقع ... دوركم : تقييم المحتوي للتأكيد علي أهميته أو إرشادنا لحذفه

لمعرفة المزيد عن الموقع اضغط هنا