المحتوى الرئيسى

عذاب المرضى النفسيين في مصر


فبراير كان شهرًا صعبًا عليّ جدًّا، اكتشفت فيه مرضي النفسي وانهرت، ولم يكن أحدٌ بجانبي، بكيت كما لم أبكِ في حياتي قط، وفقدت جزءًا من روحي، ولعنت الحزن كثيرًا حتى غضب مني وتفاقم، أنا اليوم أحسن من قبل ولكني أعاني، ولا يعلم بذلك الأمر سوى جدار الحمام، ومن يهتم بما يُكتب على الجدران أيضًا.

كُتبت الكلمات السابقة بخط منمق على جدار حمام إحدى الجامعات المصرية، وفي نهايتها وضع صاحبها تاريخ كتابتها الذي كان يوم 22 مارس (آذار) 2017، وبعد انتشار الصورة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، كشفت التعليقات أن هناك الكثير من الصرخات غير المسموعة لمرضى نفسيين آخرين يعانون في صمت.
الكلمات المكتوبة على حائط الحمام إنشر
لا توجد حتى اليوم إحصائيات رسمية يمكن الاعتماد عليها لمعرفة عدد المرضى النفسيين في مصر بدقة، إلا أن الإحصائية الأخيرة لوزارة الصحة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015 قدرت عددهم من 14 إلى 16 مليون مريض، يعانون من اضطرابات نفسية مختلفة، لكن تتمثل المفارقة في أن 15% فقط منهم يراجعون العيادات النفسية، وفقًا للدكتور «هشام رامي»، رئيس الأمانة العامة للصحة النفسية بوزارة الصحة.

المصريون والطبيب النفسي.. أين تكمن الأزمة؟


«أول مرة أذهب فيها للطبيب النفسي كانت من شهر بعد إصابتي بصداع نصفي دائم، وبعد عدة زيارات لأطباء في تخصصات مختلفة، وفشل الأدوية التي وصفوها، استطعت مصارحة أسرتي بحاجتي للعلاج النفسي، وشخّص الطبيب حالتي بأنها اكتئاب وقلق شديد جدًّا»، هكذا تحكي مروة (20 سنة)، وهو اسم مستعار.

يتردد الكثير من المرضى النفسيين في مصر طويلًا قبل الذهاب للطبيب النفسي، وأحيانًا يأتي هذا القرار متأخرًا فينعكس على المريض بتدهور حالته، وتتشابك العوامل المؤدية لذلك، ومن أبرزها الموروثات الاجتماعية الخاطئة، والخوف من اهتزاز الشخصية أمام الطبيب عند مصارحته بتفاصيل وجود مشكلة نفسية معينة، بالإضافة بالطبع إلى ارتفاع أسعار العلاج.

يلفت الدكتور «أحمد عبد الله»، أستاذ الطب النفسي في جامعة الزقازيق، النظر إلى مشكلة يواجهها الكثير من المرضى النفسيين، تتمثل في أن القطاع الكبير منهم الذين يذهبون للحصول على العلاج النفسي لا يجدون الطبيب مؤهلًا؛ لأنه اعتاد على أن يكشف ويعطي الدواء فقط، بينما الذين يذهبون للعيادات النفسية اليوم الكثير منهم ليسوا أشخاصًا يعانون من الأمراض النفسية الكلاسيكية الموجودة في الكتاب الذي درسه الطبيب النفسي في الجامعة، وإنما لديهم مشاكل في علاقاتهم وتكيفهم مع الحياة، والطبيب لم يتلق التدريب الكافي للتعامل مع هذه المشكلات.
دكتور أحمد عبد الله أستاذ الطب النفسي إنشر
كما يؤكد أستاذ الطب النفسي في حديثه وجود أزمة تحدث عندما يدخل المريض في مرحلة العلاجات غير الدوائية، والتي تحتاج إلى وقت طويل وجلسات متعددة، تتمثل في البحث عمن يمول تكاليف العلاج، على سبيل المثال إذا كان هناك مريض مصاب باضطراب في الشخصية، فإنه يحتاج إلى علاج لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، بمعدل جلسة في الأسبوع، وأحيانًا يحتاج جلستين، لذلك ليس من المنطقي أن يتحمل وحده التكاليف المادية، وفي الوقت نفسه فإن العلاج النفسي على نفقة الدولة يشمل صرف الأدوية فقط، ولا يُغطي الجلسات العلاجية.

لم تسلم الأدوية النفسية من موجات ارتفاع الأسعار المتتالية التي حدثت في مصر مؤخرًا على إثر تعويم الجنيه، ويتضح ذلك في نقص بعضها وارتفاع أسعار بعضها الآخر، ووفقاً للدكتور «إبراهيم مجدي» استشاري الطب النفسي، فإن هناك قلة في الشركات المحلية المنتجة للأدوية النفسية في السوق، فلا يتعدى عددها سبع شركات، مما يضطر المريض للتوجه للأدوية المستوردة، والتي زاد سعرها بنسبة 100%، ومن أهم الأدوية المختفية من الصيدليات مهدئ «الهالدول»، ومضاد الاكتئاب «أنافرانيل».

المرض النفسي والثورة.. كيف تشكلت العلاقة؟




حسب دراسة أجريناها في مستشفى الحسين الجامعي، وجدنا زيادة في الأمراض النفسية بنسبة 30% عما كان قبل الثورة.

هكذا أكد الدكتور «هاشم بحري» رئيس قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر، وجود صلة وثيقة بين زيادة عدد المرضى النفسيين بشكل مستمر، وما يحدث في مصر من أوضاع مضطربة تلت ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، ويأتي الاكتئاب من وجهة نظر «بحري» في مقدمة الأمراض النفسية التي يصاب بها هؤلاء المرضى؛ ويعلل ذلك بأن المواطن المصري أصبح يتعامل مع ضغوط كبيرة متنوعة، دون قدرة على تفريغ هذه الضغوط، أو حتى وجود أمل في تفريغها مستقبلًا.

تكشف لنا الإحصائيات الصادرة عن الأمانة العامة للصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة، بشكل دقيق ومفصل عن الزيادة التي طرأت على عدد المترددين على المستشفيات التابعة للأمانة، بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، إذ بلغ عددهم في الفترة من يناير (كانون الثاني) 2012 وحتى يوليو (تموز) عام 2012، حوالي 221 ألف مريض، بينما كان عددهم في نفس الفترة الزمنية عام 2011 قرابة 209 آلاف مريض، وبالرجوع إلى سجلات المستشفيات في عام 2010، نجد هذا الرقم يتناقص بشكل مثير للانتباه ليبلغ 178 ألف مريض فقط، مما يكشف لنا عن التأثير المباشر للأحداث التي مرت بها البلاد في زيادة عدد المرضى النفسيين.

على جانب آخر عند تصفحنا للإحصائية السنوية الصادرة عن وزارة الصحة في مارس (آذار) 2017، نجد أن العدد الإجمالي للمرضى في عام 2016 وصل إلى 516 ألف مريض، بينما في عام 2015 بلغ 472 ألفًا، وفي عام 2014 لم يتجاوز 444 ألفًا.

الصورة شبه الكاملة للأثر النفسي الذي لحق بمن شاركوا في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، تتضح في حديث محمود (26 سنة) -اسم مستعار- أحد مصابي الثورة، إلى «ساسة بوست»، إذ يصف ما حدث له من بعد انتكاس الثورة بأنه كسرة للقلب والنفس والإرادة، ومن وجهة نظره هي أشياء ليس لها طريق واضح لاستعادتها، حتى وإن كان هناك بعض الأمور الحسنة في حياته، فهي لا تؤثر في تعويض فقدانها.

ويرى «محمود» أن الخسائر بالنسبة إليه كانت فادحة؛ فيقول: «خسرت القدرة على التفكير في المستقبل والحلم، وخسرت إيماني بالقدرة على التغيير، وخسرت جزءًا كبيرًا من ثقتي في نفسي، بالإضافة إلى عدم مقدرتي على السعادة بالأشياء الصغيرة العادية».

الأمر لا يقتصر على الأوضاع السياسية المضطربة فقط، إذ يؤكد الدكتور «حسام حمدي» أخصائي الصحة النفسية، أن الضغوط المجتمعية التي تحدث غالبًا بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة هي من أهم الأسباب المؤدية للإصابة بالاكتئاب، والذي يبدأ من عدم وجود الوقت الكافي للاسترخاء والتخلص من ضغوط الحياة، فتنفذ الطاقة الإيجابية الموجودة لدى الإنسان، وتقل كفاءة جهاز المناعة النفسي لديه؛ فيصبح غير قادر على مواجهة المشكلات، ويقع فريسةً للخوف والتوتر.

لماذا لا يرحمهم المجتمع؟




«بعد إخباري من حولي بمرضي النفسي تباينت ردود أفعالهم، فمنهم من تعامل معي بشكل طبيعي وهذا شيء متعب بالنسبة لي؛ إذ إني أصبحت أكثر حساسية وأحتاج إلى مراعاة أكثر، وهناك من بعد عني تمامًا وكأنني صاحبة وباء معدٍ مميت، وهذا دمرني كثيرًا، أنا الآن أصبحت أعيش بأوامر زوجي تحت الحصار المنزلي، وحيدة ممنوعة من الخروج حتى للدروس الدينية أو للعمل، لذلك أشعر بأنني أُعاقب بشدة وبقسوة فيا ليتني لم أكتشف مرضي، ولم أُوصم بهذا العار».

في كلماتها السابقة شرحت «شهد» – اسم مستعار- البالغة من العمر 36 عامًا معاناتها من قسوة المجتمع المحيط بها، وتحميله إياها ما لا تطيق نتيجة مرضها النفسي، ولكنها ليست وحدها، ففي ظل انتشار الكثير من الأفكار الخاطئة عن المرضى النفسيين في المجتمع المصري، زاد ذلك من آلامهم وصمتهم الذي يمنع بعضهم من اتخاذ أي خطوات عملية للعلاج.

وهناك عدة أنواع من أساليب التمييز تُمارس ضد المريض النفسي، فهناك التمييز بشكل مباشر بأن يُعامل المريض بطريقة مختلفة عن الآخرين، مثل أن يُرفض في وظيفة بمجرد العلم بمرضه دون النظر إلى مؤهلاته، كما يعاني بعض المرضى من التمييز غير المباشر بألا يُسمح له بالتأخر عن وقت بداية الدوام الصباحي رغم العلم بمرضه الذي نتج عنه وصف الطبيب النفسي لدواء يسبب التعب والنعاس، والأكثر شيوعًا هو تعرض المصابين بالأمراض النفسية لمضايقات من المحيطين بهم بطرق مختلفة مثل الاستهزاء أو السخرية.

تلعب الثقافة النفسية للأهل دورًا مؤثرًا في تجاوز المريض محنته، ولذلك مثلت عائقًا بالنسبة إلى ياسمين (30 سنة) – اسم مستعار-، فأهلها حتى اليوم غير مقتنعين بأنها مريضة بالاكتئاب والقلق المزمن، ويرجع ذلك إلى عدم اقتناعهم بوجود الأمراض النفسية من الأساس، بالإضافة إلى تصورهم أن البعد عن الدين هو السبب وراء مرضها النفسي.

من جانبه يؤكد الدكتور «طاهر شلتوت» استشاري الطب النفسي، وجود اعتقاد خاطئ بأن المرض النفسي ينشأ من ضعف الإيمان أو المس من الجن، أو ضعف في الشخصية، وهذا ما يجعل الكثير من المرضى لا يفصحون عن مشاكلهم النفسية حتى لا تهتز صورتهم في نظر المجتمع، وفي ظل هذا التكتم السلبي تنتشر الكثير من الأفكار الخاطئة عن طرق العلاج النفسي، ولو قارنا الوعي الصحي بالوعي النفسي سنجد هناك فجوة كبيرة، فما زال الكثير من الناس يجهلون الحقائق العلمية عن أشهر الأمراض النفسية.

في بعض الأحيان تتخذ أسرة المريض موقفًا عدائيًّا تجاهه مثلما حدث مع سعاد (19 سنة) -اسم مستعار-، ففي حديثها تقول: «بدأت تظهر عليّ أعراض مرضي النفسي المتمثل في الاكتئاب في عمر الخامسة عشر، وتطور الأمر ووصل إلى إيذاء نفسي، بدأت بالبكاء كثيرًا في كل مكان وفي كل وقت، كان بكائي نداء استغاثة لطلب المساعدة ولكن لم يساعدني أحد، رأتني أسرتي أنهار ولكن ما فعلوه أنهم وبخوني ولاموني على حزني، شعرت بالوحشة في كل مكان، واليوم أنا أفكر في الانتحار كثيرًا، فأنا إنسانة أكره الحياة ولا أرى فيها سوى سوداويتها، ولا أمل لدي فيها ولا خطط مستقبلية، يراني الجميع كئيبة ولكن لا أحد يعلم ما يدور برأسي، أفكاري تكاد تقتلني».

يشير الدكتور «عبد المنعم عبد الحكم» استشاري الأمراض النفسية، إلى أنه لا بد أن تكون هناك توعية كافية لأسرة المريض النفسي والمجتمع، لا أن يعتبروه وصمة عار يحرصون على إخفائها، فهناك أنواع من المرض النفسي كالفصام عندما يصاب به المريض يفقد البصيرة، ويكون لديه ضلالات غير قابلة للنقاش، ويصبح غير قادر على القيام بواجباته الدراسية أو الوظيفية، لذلك لا بد أن يكون هناك وعي لدى الأسرة حتى توجه المريض للعلاج من البداية، ولا تتأخر.

الحلول البديلة قد تمثل الأمل الأخير


لم أذهب للطبيب النفسي لأنني عاطلة وثمن الجلسات مرتفع للغاية، ولا أستطيع طلب أموال من أهلي للعلاج النفسي. *هدى (23 سنة) -اسم مستعار-.

أقل دكتور نفسي يحتاج إلى 150 جنيهًا في الجلسة، وهذا المبلغ يمكن أن يكفي مصاريفي الشخصية قرابة 10 أيام. *محمد (22 سنة) -اسم مستعار-.

تكررت عبارات شبيهة بالعبارتين السابقتين في أجوبة الاستمارة التي طُرحت ضمن خطوات إعداد هذا التقرير، ووصل عدد الأشخاص الذين شاركوا في الإجابة عنها إلى 500 شخص، لذلك كان من أهم الأجزاء التي لا بد أن يستوفيها التقرير البحث عن حلول بديلة.

توجهنا بالسؤال إلى الدكتور «أحمد عبد الله» أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق، عما يمكن أن يفعله المريض النفسي الذي لا تتوافر لديه المقدرة المادية للعلاج، فأجابنا قائلًا: «الجهات التي من الممكن أن تقدم العلاج النفسي متعددة، ولكن هناك مشكلة لدى المصريين سواء الأطباء أو المرضى في مسألة النظر للعيادة الخاصة، والاقتناع بأنه كلما دفعت أكثر كلما حصلت على خدمة أفضل، وهذا لا يتحقق بالضرورة، لذلك لا بد علينا من معرفة أن هناك أماكن أخرى يمكن اللجوء إليها للعلاج النفسي، من أهمها المستشفيات الجامعية التي تتواجد بها أقسام طب نفسي، وتُقدم الخدمة بسعر العيادات الخارجية، ومن حق المريض أن يطلب طبيب أكثر خبرة في حال إذا ما وجد الطبيب المعالج ليس لديه الخبرة الكافية، ويحصل المريض في هذه العيادات على خدمة مماثلة للتي تُقدم في العيادات الخاصة؛ بل ربما أفضل».

من الجهات الأخرى المختصة بتقديم العلاج النفسي في مصر بأسعار منخفضة «الأمانة العامة للصحة النفسية» التابعة لوزارة الصحة، عن طريق مستشفياتها التي تتوزع في عدة محافظات هي: (القاهرة- الإسكندرية- الدقهلية- المنوفية- الشرقية- القليوبية- بورسعيد- الغربية- بني سويف- سوهاج- أسيوط- المنيا- أسوان)، وتبلغ قيمة الكشف في العيادات التابعة لهذه المستشفيات خمسة جنيهات، ويُصرف العلاج للمريض مجانًا، أما مواعيد العمل فهي من التاسعة صباحًا وحتى الثانية عشر ظهرًا.

كما يمكن الاستفادة من خدمة الاستشارات النفسية المجانية بالاتصال على الخط الساخن التابع للأمانة العامة للصحة النفسية (0220816831)، كل يوم عدا الجمعة في الفترة ما بين التاسعة صباحًا إلى الرابعة عصرًا، وسيجيب على المتصل طبيب نفسي مختص، بالإضافة إلى ذلك تُقيم الأمانة أنشطة توعوية متنوعة يمكن متابعتها من خلال الصفحة التابعة لها على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».


لا تنسى تقييم الموضوع

القسم : الاسره والصحة

المصدر : ساسة بوست

قد يعجبك أيضاً

اضف تعليق

فكرة الموقع : "كله لك" هو شراكة بيننا و بينكم ..دورنا : انتقاء أفضل الموضوعات المنشورة و المتداولة علي المواقع ... دوركم : تقييم المحتوي للتأكيد علي أهميته أو إرشادنا لحذفه

لمعرفة المزيد عن الموقع اضغط هنا